شريف محيي الدين إبراهيم - زهور عمي العجوز

حريتك نعمة كبري !!
الأهل والأصدقاء، والتفافهم حولك ، استطاعتك الحركة، والتنقل من مكان لآخر ،قدرتك على النوم بدون عذاب الأرق، رؤيتك لشمس الصباح، وتنسم رائحة البحر.... في الحقيقة ما هي إلا نعمة عظيمة ، بل إن مجرد استمتاعك بشرب جرعة ماء، هو نعمة كبري.
للأسف هي أشياء قد تبدو بسيطة، ولن ندرك قيمتها إلا بعد أن نفقدها.

هكذا قال لي عمي ، بعد أن فرغ من ري زهوره النادرة التي كانت تزين حديقة منزله.
كانت تربطني بعمي صداقة وطيدة، ورغم الفارق الكبير بيننا في السن ،إلا أنه كان يتمتع بروح شابة مرحة ، فهو متفائل محب للحياة بكل آحوالها ، ويرى دائما في الكوب نصفه الممتلئ.
حدث يوما ،أن قابل عمي زميل دراسة له بعد فراق أكثر من خمسين عاما، وكم كانت سعادته به، الأمر الذي جعله يخصص لزيارته يوما كاملا من كل أسبوع ، وكنت أشاهده في صبيحة ذلك اليوم، متجها إلى صديقه محملا بالزهور، وبعض الكتب والجرائد، وعلبة حلوى أو كيس فاكهة ، وهو في غاية النشاط ، حتى بدا لي أصغر سنا، وأكثر حيوية.
كان صديقه هذا مريضا نادرا ما يغادر بيته ، وكان هو يقضي معه اليوم كله يتحادثان ويتجادلان ويتناولان ما في الكتب والجرائد ، ويستعيدان ذكريات الأيام الخوالي ، بينما كانت زوجة صديقه فرحة هاشة، بوجوده، فهي تارة تقدم لهما بعض الطعام، أو المشروبات، وتارة أخرى تشاركهما الحديث، و في بعض الأيام كان عمي يصطحب صديقه الذي تحسنت صحته كثيرا فيذهبان إلى جامع المرسي أبو العباس للصلاة ، أو ميدان محطة الرمل لشراء الهريسة أو تناول الآيس كريم، وفي مرات كثيرة كانا يكتفيان بالجلوس على كورنيش البحر، الأمر الذي جعل زوجة صديق عمي تطلب مشاركتهما في هذه النزهة، وخاصة بعدما لاحظت التحسن الكبير الذي طرأ على حالة زوجها النفسية والصحية.

حتى جاء عمي يوما، حزينا مكسورا، وقد ظهرت عليه فجأة علامات الهرم والعجز .
عندما سألته عن ما به ، قال لي والدموع تملأ عينيه : ذهبت إلى بيت صديقي، ولم أجده...
قلت له في براءة : أين ذهب؟!
ولكنه قال في هدوء مريب : زوجته أخبرتني أنه توفي .

قلت مندهشا : فجأة
قال في أسى : مات بعد أن غادرته مباشرة الجمعة الفائتة.

وقتها ألجم لساني ولم أستطع حتى أن أواسي عمي ببعض كلمات العزاء......
بعد مضى أيام قلائل ماتت جميع الزهور المزروعة في حديقة عمي، الذي ما لبث أن لحق بصديقه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى